Print this page

حلم نورمبرغ…  لماذا تحوّلت العدالة الانتقالية إلى ساحة معركة؟

لم تكن العدالة الانتقالية بعد الثورة مطلبًا هامشيًا

أُضيف إلى قائمة المطالب السياسية. كانت في صميم السؤال الذي طرحته الثورة منذ لحظتها الأولى: ماذا نفعل بإرث الاستبداد؟

فالثورة لم تكن فقط ضد رئيس غادر البلاد. كانت ضد منظومة كاملة من القمع والتعذيب والمحاكمات السياسية والفساد والإفلات من العقاب. ولذلك كان سقوط النظام يفتح بالضرورة أسئلة أصعب من إسقاط الحاكم نفسه:

ماذا نفعل بالجرائم التي ارتُكبت باسم الدولة؟

من يحاسب من أمر بالتعذيب؟

من يحاسب من نفّذ؟

ماذا نفعل بمن غطّى وتستر واستفاد؟

وكيف يمكن بناء دولة جديدة إذا بقيت الدولة القديمة حاضرة في ذاكرتها، وفي أجهزتها، وفي حصانة من ارتكبوا الانتهاكات باسمها؟

لهذا جاءت العدالة الانتقالية باعتبارها مسارًا يقوم على كشف الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، وجبر ضرر الضحايا، وحفظ الذاكرة، والمحاسبة، وبناء الضمانات التي تمنع تكرار الانتهاكات.

لكن هذا المسار اصطدم منذ البداية بمصالح وقوى لم يكن من السهل عليها أن تتقبل فتح ملفات الماضي.

بما انه كان من الصعب الدفاع علنًا عن التعذيب أو الفساد أو الإفلات من العقاب : كان الأسهل مهاجمة الأداة التي تفتح الملفات، وتشويه هذا المسار الذي يجعل المحاسبة ممكنة، وتحويل العدالة الانتقالية نفسها إلى مشكلة.

والأخطر أن ينخرط في هذه الحملة بعض من عارضوا الاستبداد وكانوا من ضحاياه وطالبوا يومًا بكشف الحقيقة والمحاسبة.

كان ايضاً من بين هؤلاء من كان له حساسية من صفة «الضحية»، وكأن الاعتراف بأنه تعرض لانتهاك ينتقص من تاريخه النضالي، أو يحوله من فاعل في التاريخ إلى مجرد شخص وقع عليه الظلم.

لكن الضحية ليست تهمة.

والاعتراف بالانتهاك ليس انتقاصًا من الكرامة، بل بداية لاستعادتها.

فالخروج من موقع الضحية لا يكون بإنكار ما حدث، ولا بالصمت عنه، ولا بالتبرؤ من صفة الضحية. ان الخروج من موقع الضحية يبدأ باستعادة القدرة على الفعل: أن تطالب بحقك، وأن تُسمّي وتشير للمعتدي، وأن تحاسب من ظلمك، وأن تضع الدولة أمام مسؤوليتها في إنصافك هذا هو المسار الوحيد الذي سوف يمنع تكرار ما وقع.

فالعدالة الانتقالية لا تثبّت الإنسان في موقع الضحية، بل تساعده على الخروج منه. والمحاسبة تعيد ترتيب العلاقة بين الضحية والمعتدي.

ولم يتوقف التشويه عند صفة «الضحية»، بل طال أحد أبسط حقوقها: جبر الضرر.

فقد جرى أحيانًا تقديم جبر الضرر كما لو أنه سوق للتعويضات، متاجرة بالنضالات والتضحيات أو صفقة بين الدولة وأشخاص يطالبون بالمال، في احسن الاحوال تم تصنيفه كمكافئة على النضال.

بينما جبر الضرر في جوهره رد الاعتبار وتعويض مخلفات القمع التي انعكست يوما على الضحايا بل كانت احد أشكال الاذلال في جانبه الاقتصادي

جبر الضرر: رد للحقوق، وإعادة للتأهيل، واعتراف بما وقع لكن حين يُحوَّل جبر الضرر إلى «ثمن»، تصبح الضحية متهمة مرة أخرى وهذا ظلم مضاعف .

بل اصبح الموضوع عكسي : فعلى الضحية أن تثبت أنها «تستحق» الإنصاف بدل ان يُطلب من الدولة أن تفسرالانتهاكات، في اجحاف كامل وانقلاب تام للمعادلة .

بعض الذين انخرطوا في الحملة على العدالة الانتقالية ربما لم ينتبهوا إلى أنهم، وهم يهاجمون المسار، كانوا يشوهون مطلبًا ناضلوا هم أنفسهم من أجله في زمن بن علي فكم انتظرنا هذه المحاسبة لقد  كانت حلما يخفف عنا كلما اشتدّت وطأة الاستبداد .

أما آخرون، فقد كان فتح الماضي بالنسبة إليهم يعني الاقتراب من ملفات كان من الأفضل، من وجهة نظرهم، أن تبقى مغلقة

1) كم حلمنا بنورمبرغ تونسية

قبل الثورة، لم يكن حلم المحاسبة بالنسبة إلى كثير من المعارضين والضحايا مجرد انتظار سقوط رأس النظام.

كان هناك حلم أبعد،  حلمنا بنورمبرغ تونسية.

ليس طبعا باستنساخ تجربة تاريخية أخرى، وإنما بأن تكون لتونس لحظتها الخاصة التي تقول فيها إن جرائم الاستبداد لا تسقط بمجرد سقوط المستبد، وإن الدولة لا تستطيع أن تمحو ما ارتُكب باسمها بمجرد الانتقال من عهد إلى آخر.

كان الحلم أن يأتي يوم تُفتح فيه الملفات.

أن تُسمّى الجرائم والجلادون

أن تُحدّد المسؤوليات والأطراف.

أن يُسمع الضحايا ونصدّق الناجون والعوائل .

أن يعرف التونسيون كلهم : من أمر، ومن نفّذ، ومن تستر، ومن استفاد.

وأن يبقى للتاريخ سجل لا يستطيع أحد محوه.

كان الحلم بأن تصبح جرائم الاستبداد جزءًا من الحقيقة الموثقة والتاريخ التي لا يستطيع أحد إنكارها، وأن تعرف الأجيال القادمة ماذا حدث، وكيف تحولت مؤسسات الدولة إلى أدوات للقمع، وأن تدرك كل سلطة مستقبلية أن الجرائم التي تُرتكب باسم الدولة لا تمنح أصحابها حصانة أبدية.

وإن الانتقال إلى الديمقراطية لا يمكن أن يقوم على دفن الحقيقة.

وإن المصالحة التي لا تمر بالحقيقة والمحاسبة يمكن أن تتحول بسهولة إلى جرح مجتمعي عميق.

وهنا تحديدًا كانت أهمية العدالة الانتقالية: محاولة تحويل ذلك إلى مسار مؤسساتي  الحقيقة بدل الإنكار، والمحاسبة بدل الإفلات، وجبر الضرر بدل مطالبة الضحايا بالصمت والتبرير، والذاكرة بدل النسيان.

لكن إسقاط العدالة الانتقالية كان يحتاج أيضًا إلى إسقاط وجهها الأكثر حضورًا.

ومن هنا لم يعد استهداف هيئة الحقيقة والكرامة وحدها كافيًا. كان لا بد من تركيز المعركة على المرأة التي ترأستها: سهام بن سدرين.

2) عندما يصعب إسقاط القضية، يُسقَط حامل القضية

سهام بن سدرين لم تظهر بعد الثورة لكي تكتشف فجأة أن هناك استبدادًا وضحايا وحقوقًا.

كانت دائما من الأصوات الحقوقية والصحفية الشرسة والمعارضة في عهد بن علي، وواجهت السلطة قبل أن تصبح رئاسة هيئة الحقيقة والكرامة جزءًا من مسارها.

لم تغيّر سهام بن سدرين معركتها عندما سقط النظام ولم تتنكّر لمطلب مسائلة السلطة البائدة ومحاسبة الاستبداد بل تمسكت به.

وهنا بدأت معركة أخرى.

فمن كان يريد طي الماضي بسرعة، أو مصالحة بلا أسئلة مزعجة، أو عدالة انتقالية منزوعة الأنياب، وجد أمامه امرأة لم تكن مستعدة لتحويل المسار إلى طقس بروتوكولي للمصالحة والنسيان.

سهام بن سدرين، مثلها مثل أي شخصية عامة، قابلة للنقد. لكن نقد الشخص شيء، وتحويل الشخص نفسه إلى محور قضية كاملة شيء آخر.

فحين يصعب إسقاط القضية، يُسقَط حامل القضية.

وهكذا انتقل جزء كبير من النقاش تدريجيًا من كشف الملفات والانتهاكات والمظالم إلى شيطنة المرأة التي ترأست الهيئة.

وبدل أن يكون السؤال: ماذا حدث؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وما الذي كشفته الملفات؟

أصبحت القضية هي سهام بن سدرين !

3) حين يصبح الدفاع عن الضحية تهمة

ومن أكثر الأسلحة التي استُعملت ضد سهام بن سدرين الحديث عن علاقتها بالإسلاميين وكأن هذا جريمة.

هنا أيضاً نصل إلى واحد من أهم اختبارات حقوق الإنسان: هل ندافع عن الحق فقط عندما يكون صاحبه من لوننا السياسي والفكري، أم ندافع عنه أيضًا عندما يكون صاحبه خصمًا لنا؟

لقد كان الإسلاميون أيضًا من بين ضحايا القمع والانتهاكات في عهد بن علي : والدفاع عن حق إنسان تعرض للتعذيب أو الاعتقال التعسفي أو المحاكمة الجائرة لا يعني تبني مشروعه السياسي، ولا الاتفاق معه أيديولوجيًا.

فالاختبار الحقيقي لحقوق الإنسان ليس أن تدافع عن الحق عندما يكون صاحبه رفيقك، بل عندما يكون خصمك.

الدفاع عن الضحية لا يعني تبني أفكارها.

والاعتراف بانتهاك تعرضت له لا يعني منحها صكًا سياسيًا.

والعدالة التي تنتقي ضحاياها على أساس انتمائهم السياسي ليست عدالة.

ولهذا فإن تحويل الدفاع عن حقوق ضحايا إسلاميين إلى قرينة سياسية ضد من دافع عنهم يقلب مفهوم حقوق الإنسان نفسه رأسًا على عقب.

4) امرأة قالت «لا»

لكن سهام بن سدرين ليست فقط رئيسة سابقة لهيئة الحقيقة والكرامة. فمسارها يختزل جانبًا كبيراً من معنى الثورة نفسها.

امرأة واجهت الاستبداد، وظلت في مواجهة السلطة منذ بورقيبة ثم بن علي إلى ما بعد الثورة حين تغيرت الوجوه وتبدلت المراحل.

قالت «لا» في أكثر من مرحلة ولأكثر من نظام تداول على تونس. وهذا، في حد ذاته، يزعج.

وقد تكون لسهام بن سدرين أخطاؤها عبر مسار طويل، وقد يختلف معها كثيرون في مواقفها أو في بعض خياراتها، وهي مثلها مثل أي شخصية عامة قابلة للنقد.

لكن هذا لا يلغي حقيقة أن مسارها يختزل روح الثورة ومطالبها الأساسية رفض الاستبداد، والإصرار على الحقيقة.

وهذه الصورة تحديدًا مزعجة :  صورة شخص لا يكتفي بأن يكون معارضًا لنظام بعينه، بل يجعل من محاسبته موقفًا مستمرًا.

بالإضافة إلى كون هذا الشخص امرأة !

فالطريقة التي يُنظر بها إلى النساء في المجال العام تكشف عن طبيعة السلطة والمجتمع معًا.

صفات مثل الحزم والقوة والصرامة والقيادة والمواجهة حين تظهر في امرأة، تتحول سريعًا إلى «عناد» أو «غرور»

مجتمع ودولة يتباهيان بصورة المرأة التونسية المتحررة يرتبكان أمام المرأة التي تستعمل حريتها لمساءلة الدولة ذاتها ويصنفانها «متسلطة»

هذا فقط لأن سهام  بن سدرين لم تقدم الصورة المريحة للمرأة التي يريدونها لتكون «مجرد» رمز للحداثة والمساواة  وفي نفس الوقت عليها ان ألا تزعج أحدًا.

5) حين تنتقل المعركة من العدالة الانتقالية إلى أصحابها

لم يبدأ استهداف سهام بن سدرين في السنوات الأخيرة بعد الانقلاب لقد سبق ذلك بسنوات طويلة منذ استهداف هيئة الحقيقة والكرامة، والتشكيك في العدالة الانتقالية، وتحويل جبر الضرر إلى موضوع للمزايدة  أو الاتهام، وتحميل رئيسة الهيئة مسؤولية صراعات سياسية تتجاوز شخصها.

بل انتقلت شعبيا (بعد الحملات الممنهجة) المعركة من مسار المحاسبة إلى الأشخاص الذين حملوه.

وتلاحقت القضايا والملاحقات المرتبطة بأعمال هيئة الحقيقة والكرامة، ولم تعد سهام بن سدرين وحدها حاضرة في بعضها، بل شملت أيضًا شخصيات ارتبطت بمسار العدالة الانتقالية، ومن بينها خالد الكريشي.

وهنا يصبح السؤال أوسع بكثير من الملف القضائي وحده، وأطول عمرًا من جلسات المحكمة:

ماذا فعلنا بإرث الاستبداد؟

وماذا بقي من مشروع المحاسبة؟

وهل استطاعت تونس أن تواجه ماضيها فعلًا، أم أننا انتقلنا من لحظة كان فيها كشف الحقيقة مطلبًا ثوريًا إلى لحظة أصبحت فيها الحقيقة نفسها عبئًا؟

إن اختزال كل ذلك في مصير شخص واحد سيكون خطأ. لأن المسألة لم تكن يومًا سهام بن سدرين وحدها.

إنها تتعلق بما مثله مشروع العدالة الانتقالية نفسه: أن للدولة ذاكرة يجب فتحها، وأن للضحايا حقوقًا، وأن هناك مسؤوليات وجرائم لا ينبغي أن تنسى مع تغير الحكام.

6) من سهام بن سدرين إلى معنى الثورة

هنا تحديدًا يصبح مسار سهام بن سدرين أكبر من سيرتها الشخصية. ليس فقط لأن مشروعها يقض سرديتهم ولكن لأن في مسارها شيئًا من تناقضات الثورة ومطالبها وأسئلتها التي لم تجد إجاباتها بعد.

واجهت الاستبداد قبل سقوط بن علي.

ثم حملت بعد الثورة مطلب الحقيقة والمحاسبة.

وترأست هيئة وضعت ملفات الانتهاكات والضحايا ومسؤولية الدولة في قلب النقاش العام.

ثم استمرت في مواجهة السلطة وفي الدفاع عن فكرة أن الثورة لا تكتمل بمجرد سقوط الحاكم.

ولهذا فإن استهدافها لا يمكن قراءته فقط بوصفه صراعًا حول شخص.

هناك شيء أعمق.

إنها صورة المرأة التي قالت «لا» في مراحل مختلفة، ولم تجعل موقفها من السلطة مرتبطًا فقط باسم من يجلس في قصر قرطاج.

وهذا يزعج.

لأن الأنظمة تستطيع التعايش بسهولة أكبر مع معارضة تنتهي مهمتها بسقوط النظام الذي عارضته وتتعايش مع النظام الجديد.

فسهام بن سدرين تختزل رمزا مكثفا لاهداف الثورة لأنها تحمل ذلك السؤال الذي لم تستطع تونس التخلص منه :

ماذا نفعل بالاستبداد بعد سقوط المستبد؟

يمكن إسقاط هيئة، يمكن إغلاق مؤسسة، يمكن تشويه مسار، يمكن محاكمة أشخاص.

ويمكن أن تتغير الحكومات والأنظمة والقوانين.

لكن السؤال الذي فتحته الثورة لا يختفي بهذه السهولة:

من عذّب؟ من أمر؟ من قتل؟ من تستر؟ من استفاد؟ومن يضمن ألا يتكرر ذلك؟

لقد سعى الكثيرون ان تكون العدالة الانتقالية منزوعة الأنياب، ومصالحة بلا حقيقة، وذاكرة بلا تهم ولا مسؤوليات. 

لهذا فالقضية لم تكن يومًا امرأة اسمها سهام بن سدرين. القضية هي ما ترفض هذه المرأة أن تنساه او بالأحرى ان تتنازل عنه 

قد تختلف مع سهام بن سدرين.

قد تنتقدها.

وقد ترى أنها أخطأت هنا أو هناك.

لكن ما لا ينبغي أن نقبله هو الذرائع الواهية لإلغاء حق شعب كامل في الحقيقة.

أن نرفض اي سبب لدفن ملفات الضحايا.

أن نرفض أن يتحول جبر الضرر إلى تهمة.

أن نرفض أن تصبح صفة الضحية وصمة.

وأن نرفض، قبل كل شيء، أن تتحول المحاسبة نفسها إلى جريمة.

كان حلم نورمبرغ التونسية، في جوهره، بسيطًا وعظيمًا في الوقت نفسه حلم راودنا كلما اشتد بنا القمع :

أن يأتي يوم تقف فيه الدولة أمام ذاكرتها.

أن يُسمّى الظلم ظلمًا.

وأن يُسمّى التعذيب تعذيبًا.

وأن يُسمّى المعتدي باسمه وصفته

وأن يُحاسب الظالم والمستبد علنا.

وأن يعرف الضحايا أن ما حدث لهم لم يُدفن.

وأن يعرف من سيحكمون غدًا أن الدولة لا تستطيع أن تمنح أحدًا حصانة أبدية من التاريخ.

فالمعركة لم تكن يومًا على سهام بن سدرين وحدها.

المعركة على حقنا في الحقيقة، وعلى حق الضحايا في العدالة، وعلى حق الثورة في ألا تُمحى.

قد يسجنون من حمل ذاكرتها، لكنهم لن يستطيعوا أن يسجنوا الذاكرة.

بقلم: رجاء شامخ

المشاركة في هذا المقال